BettyBoop
14-03-2009, 08:50 AM
كتاب أم القرى هو أول كتاب وضعه الكواكبي, و يعتبر هذا الكتاب ليس مجرد كتاب بل أنه نتيجة عمل لدراسة طويلة و صل منها إلى نهاية الرأي في أحوال العالم الإسلامي و أسباب ضعفه و ماهي الآمال التي تدعو إلى إصلاحه .
أطلق المؤلف اسم "جمعية أم القرى" على مؤتمر عام تخيل الكاتب انعقاده في مكة المكرمة وجمع فيه مندوبين ينوبون عن أمم العالم الإسلامي في المشرق والمغرب يمثلون الهند والصين والأفغان والعراق والحجاز والشام ونجد واليمن ومصر وتونس ومراكش وغيرها من الأقاليم المشتركة بين هذه الأقطار كما يطلع على جمعية أم القرى اسم مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة سنة 1316هـ .
عبدالرحمن الكواكبي كان رجلاً مبدعاً مبتكراً كما كان كاتباً اجتماعياً مثيراً وقصصياً عظيماً , فقد استطاع أن يكتب عن إصلاح قومه على أسلوب قصة تخيلها ونظم فصولها ,فتصور أن جمعية من المسلمين اجتمعت في مكة في 15من ذي القعدة سنه 1316هـ وأن كل قطر إسلامي أوفده عضواً يمثله في هذه الجمعية .
يحاول التوصل من خلال هذه الجمعية إلى أسباب ضعف الأمة الإسلامية ففي هذا الاجتماع يحاول عبد الرحمن الكواكبي أن يجمع جملة الأسباب التي أدت إلى خلل وضعف الأمة الإسلامية ومناقشتها للتوصل إلى الطرق والأساليب المناسبة للعودة إلى النهضة الإسلامية , وقد تكونت الجمعية من 22 عضو وانعقد الاجتماع الأول ودار فيه التعارف بين الأعضاء وتم توزيع لائحة مدون فيها أسماء الأعضاء ونسبهم وكانوا الأعضاء الإثنى وعشرون قد ذكرهم الكواكبي كشخصيات مبتدعة ولكنه كان يعني في هذه الشخصيات الدول التي يمثلونها مثل السيدة الفراتي (عبد الرحمن الكواكبي ) يمثل حلب ,الفاضل الشامي يمثل دمشق , الاستاذ المكي ويمثل مكة المكرمة .
ذكر الكواكبي في الكتاب سجل الاجتماعات في إثنى عشر فصلاً كما دون لكل اجتماع اليوم والتاريخ .
1- الاجتماع الأول : ( الداء أو الفتور العام).
عرف الفراتي الأعضاء بعضهم لبعض , وافتتح الاجتماع بخطبة بادر فيها بشعاره ( لا نعبد إلا الله) , وناشد الأخوة الأعضاء بانتخاب رئيس للجمعية يدير الجلسات فأجمع الأعضاء على أنهم يولون اتخاذ القرار للكواكبي فهم يثقون به , وبدوره رشح الكواكبي الإستاذ المكي رئيساً للجمعية وأخذ هو دور أمين عام الجمعية بعدها ألقى رئيس الجمعية الاستاذ المكي خطبة الافتتاح واستهلها بالبسملة وبالصلاة والسلام على النبي الكريم ثم الشكر والثناء للسيد الفراتي الذي دعا إلى هذه الجمعية .
وتكلم الرئيس في الانتصار للدين والسعي للديمقراطية في الحكم ( وأمرهم شورى بينهم) , وذكر الشلل والضعف الذي استولى على كل أطراف المملكة الإسلامية , وأن الخطر بدء يقترب من جزيرة العرب فسعى المخلصون لتوحيد الوجه وجمع القوة , وهو يقصد بذلك الأعضاء الأفاضل الذين اجتمعوا في جمعية أم القرى فنشروا مواعظ ومباحث تدور حول الحالة الحاضرة من جهل وخلل كما يلقون اللوم على الأمراء والعلماء والأمة لتقاعسها عن الاتفاق . كما دعاهم الرئيس بترك التعصب للمذاهب والانقسامات الدينية لكي لا يفترقوا بالآراء وبذلك يوصي الرئيس بالاكتتام في الاسم والصراحة في القول ثم دعاهم إلى عدم اليأس مما وصلت إليه الأمة من ضعف وفتور عما عبر أنه يرى الأمل في الحكماء والعلماء الذين نشأوا في الإسلام فهم الذين يستطيعون أن يوقظوا الأمة من غفلتها الحاضرة وخاصة إذا استطاعت أن تضمهم جمعية كهذه الجمعية , فيد الله مع الجماعة . وطلب إليهم التفكير في المسائل التي ستدور حولها المباحث في كل يوم عدا الثلاثاء والجمعة , من بعد طلوع الشمس إلى قبيل الظهر . وهذه المباحث تحوم حول سبب الفتور في الأمة الإسلامية وتشخيص دائها ووصف دوائها ومقاومة البدع والشرك .
2-الاجتماع الثاني : ( الداء أو الفتور العام).
وتناول الرئيس بحث الفتور النازل بالمسلمين وذكر أن هؤلاء أقل نشاطاً وانتظاماً من غير المسلمين حتى يخيل للناس أن الإسلام والنظام لا يجتمعان وتكلم الهندي فرأى غير المسلمين من النِحل الوثنية أكثر فتوراً من المسلمين , فتراجع الرئيس المكي عن رأيه وطلب إلى إخوانه أن لا يصروا على رأيهم الذاتي وأن لا ينتصروا له , فالرأي خاطر ربما كان صواباً أو خطأ , والأساس هو البحث والمناظرة . ونقد الشامي العقيدة الجبرية فرأى أنها من المخدرات فأجابه القدسي إنها وجدت تنفيساً للمقهورين البائسين فهي سبب لاعتدال النشاط . ودفع إلى الإيثار العام , وإنما السبب في الفتور هو تحول السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى ملكية مقيدة ثم مطلقة . وقد جعل المتطرفون منها وسيلة للانقسام في الرأي فوقعت الحروب الداخلية والخارجية , وأصبح بأس المسلمين بينهم , وأجابه التونسي إن جرمانيا ( المانيا ) وقع فيها مثل ذلك ولكنها نجحت فسبب البلاء تأصل الجهل في أغلب أمراء المسلمين المترفين . ورأى الرومي أن السبب هو فقد الحرية , حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات وحرية المباحثات العلمية , فالحرية هي روح الدين ومنذ فقدت الحرية لجأنا إلى الخرافات والملهيات فضعف إحساسنا وألِف كثير منا الاستعباد والاستبداد والذل والهوان فصار الانحطاط طبعاً , وصارت المطالبة بالإصلاح من الدين كأن مجرد كون الأمير مسلماً يغني عن كل شيء حتى عن العدل , وكأن طاعته واجبة على المسلمين وإن كان يخرب بلادهم ويقتل أولادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات أجنبية . ورأى التبريزي وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأجاب الفاسي أن طاعة أولوا الأمر واجبة , ولكن الصيغة صريحة لا تؤيد سلطة الأمراء على الإطلاق , هذا ما كان من فتوى العلماء حول أفضلية السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ ففضلوا العادل الكافر . وأجاب المدني بأن الطامة هي من تشويش العلماء المدلسين وغولاة المتصوفين الذين استولوا على الدين فضيعوه وضيعوا أهله , يتأولون القرآن بما لا يحتمله محكم النظم الكريم , ووضعوا أحاديث مكذوبه وأقاموا أسواقاً في العواصم فسرت الخزعبلات والأوهام وأفسدوا العامة . ورأي الرومي ان المنشأ لكل فساد هو انحلال السلطة القانونية وتسلط فرد عليها .
3- الاجتماع الثالث: ( الداء أو الفتور العام ) .
وهنا أكمل الرومي قوله في ولاية الجهال المتعممين , وتدخلهم في كل شي مما يصدع الشرع , فهم يزينون للأمراء استقلالهم في الرأي ومعاداة الشورى , فاجابة الكردي إن العلماء اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطليعية , وهذا سبب نمو الغرب ورقية . وهم يقتصرون على البحث في النوافل والحكايات والنوادر وذلك جعلهم أحط من غيرهم فقال الاسكندري أن السبب في الفتور هو يأسنا من مباراة الأمم الأخرى . ورأي الأفغاني أن الفقر هو السبب لأنه قائد كل الشرور , والحكومات أصبحت تأخذ الأموال من المساكين والفقراء لتعطيها للأغنياء . وقال الإنكليزي أن المسلمين إذا اتبعوا دينهم بعدوا عن الفقر واستغنوا عن المبادىء المتبعة في الاشتراكية , كما طلب التساوي والتقارب في الحقوق , ورأى أن فقدان الاجتماعات والمفاوضات والوعظ في امور الجماعة أفقد الإحساس باجتماع الشمل للبحث في أحوال المسلمين . أما عند الغرب فهم يتوجهون إلى اختراع مبادىء لاجتماعهم كعقد الندوات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات وادخار الآثار وإقامة النصب وإنشاد الأغاني والحكم وكل ذلك ينشيء في القوم حياة اجتماعية ويبحث الحماس والحمية . ورأى الصيني أن السبب هو ميل الأمراء إلى العلماء المنافقين الذين يزينون لهم الاستبداد . وذكر النجدي سبب تبدل النظرة إلى الدين فطرأ التأويل والتحريف عليه ودخله الشرك ليكون محتاجاً إلى الرشد والإصلاح .
4- الاجتماع الرابع : ( الدين والإسلام والشرك والتصوف ).
تكلم النجدي باحثاً من ناموس الكون ووجود الأنبياء ورسالة المصطفى ودعا إلى اتباع الصريح المحكم من القرآن والواضح الثابت من قول الرسول . ورأى أن آفة البشر الشرك , فالناس سريعو الإعراض عن ذكر الله إلى ذكر من يتوهمون فيهم أنهم شركاء وأنداد لله , فيعظمونهم ويخضعون لهم ويدعونهم ويرفعون حاجاتهم إليهم . وعدد الإشراك في الملك وفي الصفات كما الحال في المشركين بإعدادهم الأصنام والتماثيل والوقوف في القبور وطلب الحاجات والاستغاثة بالشيوخ , وجعل الدين لهوا ولعباً فتغنوا ورقصوا ونقروا الدفوف وهم يظهرون الخشوع والعبادة .
ومن العلماء من أخذ بكل ما فعله الرسول وقاله على التشريع , فزاد التشدد في الدين وذكر المتكلم حكايات عن النبي وشواهد لحياته وأقواله وسرد الأحاديث الكثيرة والآيات البينة . فاجاب المصري مبيناً مذهب الشافعية من الإعجاب بالزاهدين والمتصوفة والتأول لهم ولكن أهل الجزيرة أهل عصبية وصلابة رأي وعزيمة لا ينساقون مع البدع وإنما يتمسكون بالدين الحنيف كما جاء وينفرون من التوسع في البحث .
5- الاجتماع الخامس : ( الكتاب والسنة النبوية ) .
وفيه تكلم الانكليزي فذكر إسلامه مستهدياً بالكتاب والسنة , وأنه كان بروتستانتي المذهب , والبروتستانت انقلبوا عن الكاثوليكية لترجيحهم الاقتصار على الإنجيل ومجموعة الكتب المقدسة وبإهمال الشروح والتفسيرات وهم ينكرون الرياسة الدينية والرهبانية والتوسل بالقديسين , لذلك تقرب من الإسلام ووجد فيه ضالته وهو هنا يريد عن يعلم ماهو الكتاب وماهي السنة وكيف يلزم المسلم العمل بهما ؟ فأجاب النجدي متوسعاً في تعريفهما وفي الكلام عن نواسخ الاحكام وتفرق بعض المسلمين في فهمها . وتكلم المصري عن مراتب الأحكام والعبادات وكان يرجو لو أن العلماء ألفوا كتباً منسقة تسهل على العامة أن تعرف بها ما يكلف به الدين . وتحدث اليمني عن حالة الإسلام في اليمن وأنه يتبع أصول ابن حنبل وأن العلماء فيه يعرفون العربية المضرية القرشية معرفة تامه ويقرؤون كتاب الله ويفهمونه كما يقرؤون السنة المدونة , بذلك يكونون واسعي الاطلاع على سيرة النبي وأصحابه , وأصحاب عقلٍ سليم فطري لم يفسده المنطق والجدل ونزعات المعتزلة واغرابات الصوفية . وقال أن هناك طبقة تليهم هي طبقة القراء , الذين يقرؤون كتاب الله قراءة فهم ويستهدون في أصول الدين بأنفسهم ويبنون ذلك على قرآن الناطق أو سنة صريحة .
6- الاجتماع السادس : ( التصوف والتقليد وطرق رفع الاختلاف ) .
تكلم السندي عن طريقة بلاده وذكر أنهم يتبعون النقشبنديه وقد اعترف أن فيها بدعاً عرف تحريمها حين حضر هذه الاجتماعات , فعزم على النصيحة والموعظة لهداية جماهير النقشبنديه وتصحيح وجهتهم في بلاده , وذكر أن سبب نشوء هذه الطرق هو تضيق الفقهاء على المسلمين أمر العبادات , فصار المسلم لا يرى لنفسه فرجاً إلا بالالتجاء إلى صوفية الزمان الذين يهونون عليه الدين . وعلق الرئيس المكي موضحاً بحث التصوف فبدأ بوضع المسلمين في السابق وانتهى إلى دخول الفساد على التصوف وإضراره بالدين وبالمسلمين خلال القرون وذلك عندما سيطرة الغولاة على الأمر . وتكلم القازاني فقص حكاية المستشرق الروسي الذي اهتدى إلى الدين الإسلامي فاجتمع بمفتى قازان يريد أن يتتبع القرآن وأن يتحقق ما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) , وروى النقاش الذي دار بينهما حول رواية الأحاديث وموقف الأئمة منها , وما كان من رأي المستشرق في تحقق المسلمين بأنفسهم كل دليل من الكتاب والسنة وأنهم على تشديد وتشويش في أمر الدين سبب انحطاطهم كما سبب انحطاط من قبلهم من أهل التلمود والإنجيل , وأنه يرى أن يألف كتاباً يصور حكمة دين الإسلام وسماحته . قال التبريزي أن الفتنة التي أصابة الإسلام كانت في التدقيق والجدل حول الخلافات بين الأئمة فاتسعت دائرت الاحكام في الشرع , وصار الخلف عاجزين عن إلتقاط الفروع , وأقبل المتأخرون على التقليد , وصار أهل كل إقليم يتعصبون لمؤلفات شيوخهم , وتقسم المسلمين بذلك شيعاً وأحزاباً , وضرب مثال حال بلاد فارس .
7- الاجتماع السابع : ( مجمل أسباب الفتور ) .
في هذا الاجتماع طلب الرئيس من الفراتي أن يبدي رأيه في سبب الفتور وأن يقرر مجمل الآراء المعروضة فأخذ الكاتب يذكر خلاصة ما كان من سبب في انحطاط المسلمين وما اقترح الأعضاء من أدوية وعلاجات لذلك , فلخصها في أسبابٍ ثلاثة : دينيه , سياسية , أخلاقية . وانتهى إلى ابطال التخالف وتشويش الأفكار وإسكات المدلسين وخلع المنجمين ونبذ التقليد والتعصب للمذاهب , وإلى طلب الحرية ونزع الاستبداد وإبعاد الامراء المستكبرين المترفين وإلى محو الجهل وتقوية التعليم وصرف التملق . وأضاف إلى ذلك أسباب أخرى في السياسة والإدارة العثمانيتين , حيث طلب توحيد القوانين , وتوليه الأكفياء للمناصب الخطيرة , وندد بهضم الدولة العثمانية لحقوق العرب في هذه المناصب وتميزها الأسافل , وإدارتها المعتمدة على الرشوة وبغضها للعرب ونبذهم بالألقاب , وهاجم أمة الترك وما جلبت من نقمة على العرب .
8- الاجتماع الثامن : ( غفلة المسلمين وأنواعها ) .
أكمل الفراتي قولة وعرض عيوب وإهمالها لشؤونها وتعلقها بالفوضى وركونها إلى الخمول والكسل وسعيها نحو التمجد والتعالي وتركها النساء جاهلات مع العلم بأن أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء أتاهم من جهة الأمهات الزوجات السافلات , ونظرتهن إلى الأجانب نظرة الكمال وتقليهم والتمسك بعاداتهم والنشيء المتفرنج ( التغريب) لا خير فيه الأنه ينظر إلى الأعاجم نظرته إلى سيد متفوق .
9- الاجتماع التاسع والعاشر والحادي عشر : ( مناقشة قانون الجمعية ).
في هذا الاجتماع قرئ فيه قانون الجمعية فقرة فقرة , وأبديت عليه الملاحظات قبل إقراره .
10- الاجتماع الثاني عشر : ( قانون الجمعية ) .
إقرار القانون بتعليم الموحدين , مع تأليف الجمعية وشروط الأعضاء فيها ومركزها وشعبها , ومبانيها وأموالها ونفقاتها , ووظائفها ومساعيها وأعمالها , ووضعها المؤلفات والكتب والأبحاث والمقالات وتقرر بعد ذلك نشر القانون وترجمته إلى التركية والفارسية والأوردية . واختارت الجمعية مركزها المؤقت في مصر دار العلم والحرية . وكان اجتماع الوداع في رابع أيام العيد فأقرت الجمعية بعض القرارات السرية لا تذاع وتلحق بالسجن . ومنها أنها ربطت آمالها بجزيرة العرب فهي مشرق النور الإسلامي وفيها الكعبة والمسجد النبوي وشعبها أسلم الأقاليم من الأخلاط جنسية وأدياناً ومذاهب , وأحرص الشعوب الإسلامية على الحرية والاستقلال فهم عرب , والعرب أعرق الأمم في أصول الشورى وأحصرها على احترام العهود , وأنسبها ليكونوا مرجعاً في الدين وقوة للمسلمين .
وهذه الأسباب جعلت جمعية أم القرى تعد العرب الوسيله الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة المشرقية . وكهذا تمت الاجتماعات وأضاف السيد الفراتي بعد نهاية الاجتماعات (لاحقة) بين فيها سبب تعلق الجمعية بموضوع السياسة الدينية واحلالها الموقع الأول في مناقشاتها , فقال إنها بحثت سبب الفتور فرأت أنه الخلل الديني فإذا زالت العلة زال المعلول . ودار حول النقد الذي يمكن أن يوجه إلى هذا القانون من صلة الدين بإدارة الملك , وتحدث بعد ذلك في الخلافة الإسلامية على مر العصور حتى بلغ إلى العثمانيين وتكلم عن سلاطينهم ورأى بعد ذلك أن تكون الجامعة الدينية تحت لواء الخلافة وأن يكون الخليفة عربياً قرشياً مستوفياًً للشروط , وأن يكون مركزه مكة , ترتبط به جميع السلطنات والإمارات الإسلامية ارتباطاً دينياً . ورسم هيئة الشورى والاتحاد الإسلامي وقال في إرجاع الخلافة إلى العرب , وحلل اسباب الغزو التتاري والأوروبي خلال القرون وبين أنها ليست من أنواع الجهاد ولا من الحروب الدينية وإنما هي غارات قرصان .
مما قيل عن كتاب أم القرى :
على سبيل الظن من خلال تصفح القاب المندوبين في كتاب ام القرى لابد أن يكون المؤلف قد التقى في بلده باناس من فضلاء المسلمين الذين يترددون عليه في طريق الحج وتم الحديث بينهم في مسائل الدين ومصالح المسلمين وسمع منهم وأسمعهم ماعنده من الآراء والمعلومات في هذه الشؤون ولا حاجة إلى التوسع في قراءة السجلات للتيقن من هذه الحقيقة البديهية , فإن لمحة عابرة على الألقاب التي اختارها للمندوبين تشعر القاريء بمعرفة حسنة للأمم التي نسبهم إليها , يجوز أن تعرف بالسماع والاطلاع , ولكن لا يجوز ان تكون كلها سماعاً واطلاعاً مه إمكان المقابلة في حلب بينه وبين الوافدين اليها من عامة الاقطار الاسلامية لمختلف المقاصد والوجهات , ومع عناية المؤلف باستيعاب الاخبار والآراء في موضوع كتابة وقوله لصديقة أن لها أصلاً توسع فيه.
إن هذه الألقاب لم توضع عبثاً ولم يتميز بعضها عن بعض لأسباب تتعلق بافراد المندوبين ولا ينظر فيها إلى خصائص شعوبهم او إلى السمات العامة التي تبرزهم بين جملة المسلمين , فإذا جاوزنا الألقاب إلى السجلات وما وعته من الآراء والأوصاف والوقائع والتفكير البسيط يتضح لنا أن المؤلف قد صدر فيها عن علمٍ واسع بأحوال الشعوب الإسلامية وأحوال السادة المتخصصين فيها للإمامة العلمية والفتوه الدينية تميز الكواكبي بفكرة عرض جديدة في هذا الكتاب وهي تختلف عن العرض العادي فالكواكبي لم يعرض عرض الحكاية ولا عرض النقل والرواية بل كان عمله فيها عمل ( الغربلة والتحليل والنيابة عن المناقشة والموازنة والأخذ والرد الذي لا يتأتى في غير المجتمعات المشهودة.
يقول الاستاذ رشيد رضى : " ولما هاجر إلى مصر كان أول أثر له فيها طلع سجل جمعية أم القرى , وكان يقول إن لهذه الجمعية أصلاً وإنه هو توسع في السجل , ونقحه 6 مرات آخرها عقب قدومه إلى مصر . وقد قال لنا مره إن الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد الحرية مالا يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد , بل إنما بلاد الحرية تولد في الذهن من الأفكار والآراء مالا يتولد في غيرها " وهكذا ينبئنا صديق عبد الرحمن الكواكبي الاستاذ رشيد رضى أنه ألف الكتاب منذ زمن ونقحه وبدل فيه وزاد عليه , متأثراً بجو الحرية التي لقيها في مصر .
الاستاذ رشيد رضى قال في المنار " ولكن في القسم السياسي كلاماً لبعض أعضاء الجمعية في الدولة العليا- أيدها الله تعالى- نحذفه عند الوصول اليه , لانه لا يوالم أكثر الناس , ولا ينبغي أن يعرفه إلا الخواص " .
لا نستطيع أن نحكم على الكتاب كما خرج من قلم مؤلفه فقد تولاه الزمان بالتصحيف والتحريف بعد وفاته, وصدر في حياته منقحاً بقلم السيد رشيد رضى , أو بقلم الشيخ محمد عبده ,وكل ما نستطيع أن نقول في أسلوب كتابته أنه قريب من أسلوب هذين الرجلين , وهو أسلوب الفحول لذلك العصر . هذا في بيانه واسلوب انشائه , اما من حيث الفكرة فقد قال أحد الكتاب : " وقد أخذ فكرة الأفغاني في عقد المؤتمر الإسلامي فشرحها شرحاً مطولاً في كتابة الذي صدر باسم سجل جمعية أم القرى , وضمن هذا الكتاب أعمال المؤتمر الذي لم يكن عقده " وهكذا كان للكواكبي أن يوضع في الطليعة , وأن ينسجن مع كبار المفكرين المصلحين في عصره , فهو أحياناً يشبه محمد عبده وأحياناً جمال الدين الأفغاني وأحياناً الشيخ رشيد رضى في الاسلوب والفكر .
يخيل للقاريء أن هذه القصة من نسج الخيال فحسب لكن الكواكبي يقول : " أن لها أصلاً من الحقيقة " وقوله هذا يزيد القصه روعة , ويدعم خيالها ما يدير فيها من حوار وما يجعل بين يديها من مقدمة .
رأينا فيما عرض كيف أحكم الكاتب قصة الاجتماعات والمناقشات وكأنها دارت حقيقة في مكان معلوم وأسلوب محدود لم يفته في وصفها شيء من أدق التفاصيل فهي رواية عظيمة ( كما قال الاستاذ أحمد أمين) بل إنها خطة لجامعة إسلامية قد انعقدت منذ خمسين عاماً , وصفها شاهدها وصف عيان , وبحث فيها مشكله المسلمين والاسلام , ورسم علل الأمم المحمدية من المشرق إلى المغرب وصف حاذق سياسي إداري عالم , كشف عن معرفته للمذاهب الأوروبية والشرقية في الدين والسياسة والعلم , وأفصح على رسوخ قدمه في فهم الدين الاسلامي فهماً عميقاً فصل فيه الامر عن العبادات والمعاملات وأوضح أنه إمام من أئمة الدين في الاستشهاد بالكتاب والسنة استشهاداً لا يقع إلا للمتبحرين في المصادر الإسلامية الغراء , الواقفين على تاريخ الإسلام وتقلبه على العصور , المتحمسين للعروبة القرشية , والخلافة المحمدية , والديمقراطية الاسلامية, ورفع صاحبه إلى مصاف العلماء المؤرخين المصلحين الذين فهموا الدين وصلته بالتاريخ وعلاقته بالشعوب , فهو لا يقل شأناً عن كبار الفلاسفه الدينيين في الغرب . وهو قد تناول المشاكل التي نحس بها اليوم ونشكو منها ونختلف فيها , فكتابه ما يزال كتاب الساعة والدستور الاسلام , يجب ان يعود إليه العرب والمسلمون ليعرفوا الاسلام الصحيح , والعلة الخفية , والدواء الناجح على لسان عالم صادق مخلص , عبقري , ابتكر هذه الرواية من خياله فيما نظن , وسبق الزمان فحق للجامعة العربية أن تستقي من بحوثه وان تستشف من آرائه, وأن تستنير بهديه , فهو مصلح الاسلام في القرن العشرين , وهو طبيبهم ( كما يقول الاستاذ أحمد امين ) يفحص المرض في هدوء ويصف الدواء , فهو رزين هادي الطبع صافي الذهن واصح الفكر عظيم الإلمام , وهو إلى ذلك روائي ومسرحي واجتماعي وديني .
أطلق المؤلف اسم "جمعية أم القرى" على مؤتمر عام تخيل الكاتب انعقاده في مكة المكرمة وجمع فيه مندوبين ينوبون عن أمم العالم الإسلامي في المشرق والمغرب يمثلون الهند والصين والأفغان والعراق والحجاز والشام ونجد واليمن ومصر وتونس ومراكش وغيرها من الأقاليم المشتركة بين هذه الأقطار كما يطلع على جمعية أم القرى اسم مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة سنة 1316هـ .
عبدالرحمن الكواكبي كان رجلاً مبدعاً مبتكراً كما كان كاتباً اجتماعياً مثيراً وقصصياً عظيماً , فقد استطاع أن يكتب عن إصلاح قومه على أسلوب قصة تخيلها ونظم فصولها ,فتصور أن جمعية من المسلمين اجتمعت في مكة في 15من ذي القعدة سنه 1316هـ وأن كل قطر إسلامي أوفده عضواً يمثله في هذه الجمعية .
يحاول التوصل من خلال هذه الجمعية إلى أسباب ضعف الأمة الإسلامية ففي هذا الاجتماع يحاول عبد الرحمن الكواكبي أن يجمع جملة الأسباب التي أدت إلى خلل وضعف الأمة الإسلامية ومناقشتها للتوصل إلى الطرق والأساليب المناسبة للعودة إلى النهضة الإسلامية , وقد تكونت الجمعية من 22 عضو وانعقد الاجتماع الأول ودار فيه التعارف بين الأعضاء وتم توزيع لائحة مدون فيها أسماء الأعضاء ونسبهم وكانوا الأعضاء الإثنى وعشرون قد ذكرهم الكواكبي كشخصيات مبتدعة ولكنه كان يعني في هذه الشخصيات الدول التي يمثلونها مثل السيدة الفراتي (عبد الرحمن الكواكبي ) يمثل حلب ,الفاضل الشامي يمثل دمشق , الاستاذ المكي ويمثل مكة المكرمة .
ذكر الكواكبي في الكتاب سجل الاجتماعات في إثنى عشر فصلاً كما دون لكل اجتماع اليوم والتاريخ .
1- الاجتماع الأول : ( الداء أو الفتور العام).
عرف الفراتي الأعضاء بعضهم لبعض , وافتتح الاجتماع بخطبة بادر فيها بشعاره ( لا نعبد إلا الله) , وناشد الأخوة الأعضاء بانتخاب رئيس للجمعية يدير الجلسات فأجمع الأعضاء على أنهم يولون اتخاذ القرار للكواكبي فهم يثقون به , وبدوره رشح الكواكبي الإستاذ المكي رئيساً للجمعية وأخذ هو دور أمين عام الجمعية بعدها ألقى رئيس الجمعية الاستاذ المكي خطبة الافتتاح واستهلها بالبسملة وبالصلاة والسلام على النبي الكريم ثم الشكر والثناء للسيد الفراتي الذي دعا إلى هذه الجمعية .
وتكلم الرئيس في الانتصار للدين والسعي للديمقراطية في الحكم ( وأمرهم شورى بينهم) , وذكر الشلل والضعف الذي استولى على كل أطراف المملكة الإسلامية , وأن الخطر بدء يقترب من جزيرة العرب فسعى المخلصون لتوحيد الوجه وجمع القوة , وهو يقصد بذلك الأعضاء الأفاضل الذين اجتمعوا في جمعية أم القرى فنشروا مواعظ ومباحث تدور حول الحالة الحاضرة من جهل وخلل كما يلقون اللوم على الأمراء والعلماء والأمة لتقاعسها عن الاتفاق . كما دعاهم الرئيس بترك التعصب للمذاهب والانقسامات الدينية لكي لا يفترقوا بالآراء وبذلك يوصي الرئيس بالاكتتام في الاسم والصراحة في القول ثم دعاهم إلى عدم اليأس مما وصلت إليه الأمة من ضعف وفتور عما عبر أنه يرى الأمل في الحكماء والعلماء الذين نشأوا في الإسلام فهم الذين يستطيعون أن يوقظوا الأمة من غفلتها الحاضرة وخاصة إذا استطاعت أن تضمهم جمعية كهذه الجمعية , فيد الله مع الجماعة . وطلب إليهم التفكير في المسائل التي ستدور حولها المباحث في كل يوم عدا الثلاثاء والجمعة , من بعد طلوع الشمس إلى قبيل الظهر . وهذه المباحث تحوم حول سبب الفتور في الأمة الإسلامية وتشخيص دائها ووصف دوائها ومقاومة البدع والشرك .
2-الاجتماع الثاني : ( الداء أو الفتور العام).
وتناول الرئيس بحث الفتور النازل بالمسلمين وذكر أن هؤلاء أقل نشاطاً وانتظاماً من غير المسلمين حتى يخيل للناس أن الإسلام والنظام لا يجتمعان وتكلم الهندي فرأى غير المسلمين من النِحل الوثنية أكثر فتوراً من المسلمين , فتراجع الرئيس المكي عن رأيه وطلب إلى إخوانه أن لا يصروا على رأيهم الذاتي وأن لا ينتصروا له , فالرأي خاطر ربما كان صواباً أو خطأ , والأساس هو البحث والمناظرة . ونقد الشامي العقيدة الجبرية فرأى أنها من المخدرات فأجابه القدسي إنها وجدت تنفيساً للمقهورين البائسين فهي سبب لاعتدال النشاط . ودفع إلى الإيثار العام , وإنما السبب في الفتور هو تحول السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى ملكية مقيدة ثم مطلقة . وقد جعل المتطرفون منها وسيلة للانقسام في الرأي فوقعت الحروب الداخلية والخارجية , وأصبح بأس المسلمين بينهم , وأجابه التونسي إن جرمانيا ( المانيا ) وقع فيها مثل ذلك ولكنها نجحت فسبب البلاء تأصل الجهل في أغلب أمراء المسلمين المترفين . ورأى الرومي أن السبب هو فقد الحرية , حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات وحرية المباحثات العلمية , فالحرية هي روح الدين ومنذ فقدت الحرية لجأنا إلى الخرافات والملهيات فضعف إحساسنا وألِف كثير منا الاستعباد والاستبداد والذل والهوان فصار الانحطاط طبعاً , وصارت المطالبة بالإصلاح من الدين كأن مجرد كون الأمير مسلماً يغني عن كل شيء حتى عن العدل , وكأن طاعته واجبة على المسلمين وإن كان يخرب بلادهم ويقتل أولادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات أجنبية . ورأى التبريزي وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأجاب الفاسي أن طاعة أولوا الأمر واجبة , ولكن الصيغة صريحة لا تؤيد سلطة الأمراء على الإطلاق , هذا ما كان من فتوى العلماء حول أفضلية السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ ففضلوا العادل الكافر . وأجاب المدني بأن الطامة هي من تشويش العلماء المدلسين وغولاة المتصوفين الذين استولوا على الدين فضيعوه وضيعوا أهله , يتأولون القرآن بما لا يحتمله محكم النظم الكريم , ووضعوا أحاديث مكذوبه وأقاموا أسواقاً في العواصم فسرت الخزعبلات والأوهام وأفسدوا العامة . ورأي الرومي ان المنشأ لكل فساد هو انحلال السلطة القانونية وتسلط فرد عليها .
3- الاجتماع الثالث: ( الداء أو الفتور العام ) .
وهنا أكمل الرومي قوله في ولاية الجهال المتعممين , وتدخلهم في كل شي مما يصدع الشرع , فهم يزينون للأمراء استقلالهم في الرأي ومعاداة الشورى , فاجابة الكردي إن العلماء اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطليعية , وهذا سبب نمو الغرب ورقية . وهم يقتصرون على البحث في النوافل والحكايات والنوادر وذلك جعلهم أحط من غيرهم فقال الاسكندري أن السبب في الفتور هو يأسنا من مباراة الأمم الأخرى . ورأي الأفغاني أن الفقر هو السبب لأنه قائد كل الشرور , والحكومات أصبحت تأخذ الأموال من المساكين والفقراء لتعطيها للأغنياء . وقال الإنكليزي أن المسلمين إذا اتبعوا دينهم بعدوا عن الفقر واستغنوا عن المبادىء المتبعة في الاشتراكية , كما طلب التساوي والتقارب في الحقوق , ورأى أن فقدان الاجتماعات والمفاوضات والوعظ في امور الجماعة أفقد الإحساس باجتماع الشمل للبحث في أحوال المسلمين . أما عند الغرب فهم يتوجهون إلى اختراع مبادىء لاجتماعهم كعقد الندوات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات وادخار الآثار وإقامة النصب وإنشاد الأغاني والحكم وكل ذلك ينشيء في القوم حياة اجتماعية ويبحث الحماس والحمية . ورأى الصيني أن السبب هو ميل الأمراء إلى العلماء المنافقين الذين يزينون لهم الاستبداد . وذكر النجدي سبب تبدل النظرة إلى الدين فطرأ التأويل والتحريف عليه ودخله الشرك ليكون محتاجاً إلى الرشد والإصلاح .
4- الاجتماع الرابع : ( الدين والإسلام والشرك والتصوف ).
تكلم النجدي باحثاً من ناموس الكون ووجود الأنبياء ورسالة المصطفى ودعا إلى اتباع الصريح المحكم من القرآن والواضح الثابت من قول الرسول . ورأى أن آفة البشر الشرك , فالناس سريعو الإعراض عن ذكر الله إلى ذكر من يتوهمون فيهم أنهم شركاء وأنداد لله , فيعظمونهم ويخضعون لهم ويدعونهم ويرفعون حاجاتهم إليهم . وعدد الإشراك في الملك وفي الصفات كما الحال في المشركين بإعدادهم الأصنام والتماثيل والوقوف في القبور وطلب الحاجات والاستغاثة بالشيوخ , وجعل الدين لهوا ولعباً فتغنوا ورقصوا ونقروا الدفوف وهم يظهرون الخشوع والعبادة .
ومن العلماء من أخذ بكل ما فعله الرسول وقاله على التشريع , فزاد التشدد في الدين وذكر المتكلم حكايات عن النبي وشواهد لحياته وأقواله وسرد الأحاديث الكثيرة والآيات البينة . فاجاب المصري مبيناً مذهب الشافعية من الإعجاب بالزاهدين والمتصوفة والتأول لهم ولكن أهل الجزيرة أهل عصبية وصلابة رأي وعزيمة لا ينساقون مع البدع وإنما يتمسكون بالدين الحنيف كما جاء وينفرون من التوسع في البحث .
5- الاجتماع الخامس : ( الكتاب والسنة النبوية ) .
وفيه تكلم الانكليزي فذكر إسلامه مستهدياً بالكتاب والسنة , وأنه كان بروتستانتي المذهب , والبروتستانت انقلبوا عن الكاثوليكية لترجيحهم الاقتصار على الإنجيل ومجموعة الكتب المقدسة وبإهمال الشروح والتفسيرات وهم ينكرون الرياسة الدينية والرهبانية والتوسل بالقديسين , لذلك تقرب من الإسلام ووجد فيه ضالته وهو هنا يريد عن يعلم ماهو الكتاب وماهي السنة وكيف يلزم المسلم العمل بهما ؟ فأجاب النجدي متوسعاً في تعريفهما وفي الكلام عن نواسخ الاحكام وتفرق بعض المسلمين في فهمها . وتكلم المصري عن مراتب الأحكام والعبادات وكان يرجو لو أن العلماء ألفوا كتباً منسقة تسهل على العامة أن تعرف بها ما يكلف به الدين . وتحدث اليمني عن حالة الإسلام في اليمن وأنه يتبع أصول ابن حنبل وأن العلماء فيه يعرفون العربية المضرية القرشية معرفة تامه ويقرؤون كتاب الله ويفهمونه كما يقرؤون السنة المدونة , بذلك يكونون واسعي الاطلاع على سيرة النبي وأصحابه , وأصحاب عقلٍ سليم فطري لم يفسده المنطق والجدل ونزعات المعتزلة واغرابات الصوفية . وقال أن هناك طبقة تليهم هي طبقة القراء , الذين يقرؤون كتاب الله قراءة فهم ويستهدون في أصول الدين بأنفسهم ويبنون ذلك على قرآن الناطق أو سنة صريحة .
6- الاجتماع السادس : ( التصوف والتقليد وطرق رفع الاختلاف ) .
تكلم السندي عن طريقة بلاده وذكر أنهم يتبعون النقشبنديه وقد اعترف أن فيها بدعاً عرف تحريمها حين حضر هذه الاجتماعات , فعزم على النصيحة والموعظة لهداية جماهير النقشبنديه وتصحيح وجهتهم في بلاده , وذكر أن سبب نشوء هذه الطرق هو تضيق الفقهاء على المسلمين أمر العبادات , فصار المسلم لا يرى لنفسه فرجاً إلا بالالتجاء إلى صوفية الزمان الذين يهونون عليه الدين . وعلق الرئيس المكي موضحاً بحث التصوف فبدأ بوضع المسلمين في السابق وانتهى إلى دخول الفساد على التصوف وإضراره بالدين وبالمسلمين خلال القرون وذلك عندما سيطرة الغولاة على الأمر . وتكلم القازاني فقص حكاية المستشرق الروسي الذي اهتدى إلى الدين الإسلامي فاجتمع بمفتى قازان يريد أن يتتبع القرآن وأن يتحقق ما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) , وروى النقاش الذي دار بينهما حول رواية الأحاديث وموقف الأئمة منها , وما كان من رأي المستشرق في تحقق المسلمين بأنفسهم كل دليل من الكتاب والسنة وأنهم على تشديد وتشويش في أمر الدين سبب انحطاطهم كما سبب انحطاط من قبلهم من أهل التلمود والإنجيل , وأنه يرى أن يألف كتاباً يصور حكمة دين الإسلام وسماحته . قال التبريزي أن الفتنة التي أصابة الإسلام كانت في التدقيق والجدل حول الخلافات بين الأئمة فاتسعت دائرت الاحكام في الشرع , وصار الخلف عاجزين عن إلتقاط الفروع , وأقبل المتأخرون على التقليد , وصار أهل كل إقليم يتعصبون لمؤلفات شيوخهم , وتقسم المسلمين بذلك شيعاً وأحزاباً , وضرب مثال حال بلاد فارس .
7- الاجتماع السابع : ( مجمل أسباب الفتور ) .
في هذا الاجتماع طلب الرئيس من الفراتي أن يبدي رأيه في سبب الفتور وأن يقرر مجمل الآراء المعروضة فأخذ الكاتب يذكر خلاصة ما كان من سبب في انحطاط المسلمين وما اقترح الأعضاء من أدوية وعلاجات لذلك , فلخصها في أسبابٍ ثلاثة : دينيه , سياسية , أخلاقية . وانتهى إلى ابطال التخالف وتشويش الأفكار وإسكات المدلسين وخلع المنجمين ونبذ التقليد والتعصب للمذاهب , وإلى طلب الحرية ونزع الاستبداد وإبعاد الامراء المستكبرين المترفين وإلى محو الجهل وتقوية التعليم وصرف التملق . وأضاف إلى ذلك أسباب أخرى في السياسة والإدارة العثمانيتين , حيث طلب توحيد القوانين , وتوليه الأكفياء للمناصب الخطيرة , وندد بهضم الدولة العثمانية لحقوق العرب في هذه المناصب وتميزها الأسافل , وإدارتها المعتمدة على الرشوة وبغضها للعرب ونبذهم بالألقاب , وهاجم أمة الترك وما جلبت من نقمة على العرب .
8- الاجتماع الثامن : ( غفلة المسلمين وأنواعها ) .
أكمل الفراتي قولة وعرض عيوب وإهمالها لشؤونها وتعلقها بالفوضى وركونها إلى الخمول والكسل وسعيها نحو التمجد والتعالي وتركها النساء جاهلات مع العلم بأن أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء أتاهم من جهة الأمهات الزوجات السافلات , ونظرتهن إلى الأجانب نظرة الكمال وتقليهم والتمسك بعاداتهم والنشيء المتفرنج ( التغريب) لا خير فيه الأنه ينظر إلى الأعاجم نظرته إلى سيد متفوق .
9- الاجتماع التاسع والعاشر والحادي عشر : ( مناقشة قانون الجمعية ).
في هذا الاجتماع قرئ فيه قانون الجمعية فقرة فقرة , وأبديت عليه الملاحظات قبل إقراره .
10- الاجتماع الثاني عشر : ( قانون الجمعية ) .
إقرار القانون بتعليم الموحدين , مع تأليف الجمعية وشروط الأعضاء فيها ومركزها وشعبها , ومبانيها وأموالها ونفقاتها , ووظائفها ومساعيها وأعمالها , ووضعها المؤلفات والكتب والأبحاث والمقالات وتقرر بعد ذلك نشر القانون وترجمته إلى التركية والفارسية والأوردية . واختارت الجمعية مركزها المؤقت في مصر دار العلم والحرية . وكان اجتماع الوداع في رابع أيام العيد فأقرت الجمعية بعض القرارات السرية لا تذاع وتلحق بالسجن . ومنها أنها ربطت آمالها بجزيرة العرب فهي مشرق النور الإسلامي وفيها الكعبة والمسجد النبوي وشعبها أسلم الأقاليم من الأخلاط جنسية وأدياناً ومذاهب , وأحرص الشعوب الإسلامية على الحرية والاستقلال فهم عرب , والعرب أعرق الأمم في أصول الشورى وأحصرها على احترام العهود , وأنسبها ليكونوا مرجعاً في الدين وقوة للمسلمين .
وهذه الأسباب جعلت جمعية أم القرى تعد العرب الوسيله الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة المشرقية . وكهذا تمت الاجتماعات وأضاف السيد الفراتي بعد نهاية الاجتماعات (لاحقة) بين فيها سبب تعلق الجمعية بموضوع السياسة الدينية واحلالها الموقع الأول في مناقشاتها , فقال إنها بحثت سبب الفتور فرأت أنه الخلل الديني فإذا زالت العلة زال المعلول . ودار حول النقد الذي يمكن أن يوجه إلى هذا القانون من صلة الدين بإدارة الملك , وتحدث بعد ذلك في الخلافة الإسلامية على مر العصور حتى بلغ إلى العثمانيين وتكلم عن سلاطينهم ورأى بعد ذلك أن تكون الجامعة الدينية تحت لواء الخلافة وأن يكون الخليفة عربياً قرشياً مستوفياًً للشروط , وأن يكون مركزه مكة , ترتبط به جميع السلطنات والإمارات الإسلامية ارتباطاً دينياً . ورسم هيئة الشورى والاتحاد الإسلامي وقال في إرجاع الخلافة إلى العرب , وحلل اسباب الغزو التتاري والأوروبي خلال القرون وبين أنها ليست من أنواع الجهاد ولا من الحروب الدينية وإنما هي غارات قرصان .
مما قيل عن كتاب أم القرى :
على سبيل الظن من خلال تصفح القاب المندوبين في كتاب ام القرى لابد أن يكون المؤلف قد التقى في بلده باناس من فضلاء المسلمين الذين يترددون عليه في طريق الحج وتم الحديث بينهم في مسائل الدين ومصالح المسلمين وسمع منهم وأسمعهم ماعنده من الآراء والمعلومات في هذه الشؤون ولا حاجة إلى التوسع في قراءة السجلات للتيقن من هذه الحقيقة البديهية , فإن لمحة عابرة على الألقاب التي اختارها للمندوبين تشعر القاريء بمعرفة حسنة للأمم التي نسبهم إليها , يجوز أن تعرف بالسماع والاطلاع , ولكن لا يجوز ان تكون كلها سماعاً واطلاعاً مه إمكان المقابلة في حلب بينه وبين الوافدين اليها من عامة الاقطار الاسلامية لمختلف المقاصد والوجهات , ومع عناية المؤلف باستيعاب الاخبار والآراء في موضوع كتابة وقوله لصديقة أن لها أصلاً توسع فيه.
إن هذه الألقاب لم توضع عبثاً ولم يتميز بعضها عن بعض لأسباب تتعلق بافراد المندوبين ولا ينظر فيها إلى خصائص شعوبهم او إلى السمات العامة التي تبرزهم بين جملة المسلمين , فإذا جاوزنا الألقاب إلى السجلات وما وعته من الآراء والأوصاف والوقائع والتفكير البسيط يتضح لنا أن المؤلف قد صدر فيها عن علمٍ واسع بأحوال الشعوب الإسلامية وأحوال السادة المتخصصين فيها للإمامة العلمية والفتوه الدينية تميز الكواكبي بفكرة عرض جديدة في هذا الكتاب وهي تختلف عن العرض العادي فالكواكبي لم يعرض عرض الحكاية ولا عرض النقل والرواية بل كان عمله فيها عمل ( الغربلة والتحليل والنيابة عن المناقشة والموازنة والأخذ والرد الذي لا يتأتى في غير المجتمعات المشهودة.
يقول الاستاذ رشيد رضى : " ولما هاجر إلى مصر كان أول أثر له فيها طلع سجل جمعية أم القرى , وكان يقول إن لهذه الجمعية أصلاً وإنه هو توسع في السجل , ونقحه 6 مرات آخرها عقب قدومه إلى مصر . وقد قال لنا مره إن الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد الحرية مالا يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد , بل إنما بلاد الحرية تولد في الذهن من الأفكار والآراء مالا يتولد في غيرها " وهكذا ينبئنا صديق عبد الرحمن الكواكبي الاستاذ رشيد رضى أنه ألف الكتاب منذ زمن ونقحه وبدل فيه وزاد عليه , متأثراً بجو الحرية التي لقيها في مصر .
الاستاذ رشيد رضى قال في المنار " ولكن في القسم السياسي كلاماً لبعض أعضاء الجمعية في الدولة العليا- أيدها الله تعالى- نحذفه عند الوصول اليه , لانه لا يوالم أكثر الناس , ولا ينبغي أن يعرفه إلا الخواص " .
لا نستطيع أن نحكم على الكتاب كما خرج من قلم مؤلفه فقد تولاه الزمان بالتصحيف والتحريف بعد وفاته, وصدر في حياته منقحاً بقلم السيد رشيد رضى , أو بقلم الشيخ محمد عبده ,وكل ما نستطيع أن نقول في أسلوب كتابته أنه قريب من أسلوب هذين الرجلين , وهو أسلوب الفحول لذلك العصر . هذا في بيانه واسلوب انشائه , اما من حيث الفكرة فقد قال أحد الكتاب : " وقد أخذ فكرة الأفغاني في عقد المؤتمر الإسلامي فشرحها شرحاً مطولاً في كتابة الذي صدر باسم سجل جمعية أم القرى , وضمن هذا الكتاب أعمال المؤتمر الذي لم يكن عقده " وهكذا كان للكواكبي أن يوضع في الطليعة , وأن ينسجن مع كبار المفكرين المصلحين في عصره , فهو أحياناً يشبه محمد عبده وأحياناً جمال الدين الأفغاني وأحياناً الشيخ رشيد رضى في الاسلوب والفكر .
يخيل للقاريء أن هذه القصة من نسج الخيال فحسب لكن الكواكبي يقول : " أن لها أصلاً من الحقيقة " وقوله هذا يزيد القصه روعة , ويدعم خيالها ما يدير فيها من حوار وما يجعل بين يديها من مقدمة .
رأينا فيما عرض كيف أحكم الكاتب قصة الاجتماعات والمناقشات وكأنها دارت حقيقة في مكان معلوم وأسلوب محدود لم يفته في وصفها شيء من أدق التفاصيل فهي رواية عظيمة ( كما قال الاستاذ أحمد أمين) بل إنها خطة لجامعة إسلامية قد انعقدت منذ خمسين عاماً , وصفها شاهدها وصف عيان , وبحث فيها مشكله المسلمين والاسلام , ورسم علل الأمم المحمدية من المشرق إلى المغرب وصف حاذق سياسي إداري عالم , كشف عن معرفته للمذاهب الأوروبية والشرقية في الدين والسياسة والعلم , وأفصح على رسوخ قدمه في فهم الدين الاسلامي فهماً عميقاً فصل فيه الامر عن العبادات والمعاملات وأوضح أنه إمام من أئمة الدين في الاستشهاد بالكتاب والسنة استشهاداً لا يقع إلا للمتبحرين في المصادر الإسلامية الغراء , الواقفين على تاريخ الإسلام وتقلبه على العصور , المتحمسين للعروبة القرشية , والخلافة المحمدية , والديمقراطية الاسلامية, ورفع صاحبه إلى مصاف العلماء المؤرخين المصلحين الذين فهموا الدين وصلته بالتاريخ وعلاقته بالشعوب , فهو لا يقل شأناً عن كبار الفلاسفه الدينيين في الغرب . وهو قد تناول المشاكل التي نحس بها اليوم ونشكو منها ونختلف فيها , فكتابه ما يزال كتاب الساعة والدستور الاسلام , يجب ان يعود إليه العرب والمسلمون ليعرفوا الاسلام الصحيح , والعلة الخفية , والدواء الناجح على لسان عالم صادق مخلص , عبقري , ابتكر هذه الرواية من خياله فيما نظن , وسبق الزمان فحق للجامعة العربية أن تستقي من بحوثه وان تستشف من آرائه, وأن تستنير بهديه , فهو مصلح الاسلام في القرن العشرين , وهو طبيبهم ( كما يقول الاستاذ أحمد امين ) يفحص المرض في هدوء ويصف الدواء , فهو رزين هادي الطبع صافي الذهن واصح الفكر عظيم الإلمام , وهو إلى ذلك روائي ومسرحي واجتماعي وديني .