مشاهدة النسخة كاملة : الأزمة الاقتصادية... هل تغذي «الراديكالية» في أوكرانيا؟


غالية الأثمان
17-05-2009, 08:26 AM
فيما تواصل الأزمة الاقتصادية تغلغلها في أوكرانيا، وجه النائب البرلماني «أوليكساندر فيلدمان» خلال الشهر الماضي رسالة مفتوحة إلى الرئيس «فيكتور يوشينكو» عقد فيها مقارنة مخيفة قائلا: «يخشى العديد من الناس من ذلك التشابه التاريخي بين صعود الفاشية اليوم في أوكرانيا بسبب الأزمة الاقتصادية وبين ما شهدته ألمانيا من أحداث خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي». وفي الوقت الذي يقلل فيه المحللون من شأن هذه المقارنة بين مصاعب أوكرانيا الحالية والفوضى التي سادت ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية، فإنه لا يمكن إنكار المخاوف التي تحذر من أن تؤدي الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة لأوكرانيا إلى تنامي موجة الراديكالية في المجتمع، لا سيما بعد فوز حزب ينتمي إلى أقصى «اليمين» في الانتخابات المحلية التي جرت خلال شهر مارس الماضي، وبعد مقتل أحد الشبان القوميين في أبريل الفائت على أيدي جماعة مناهضة للفاشية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في شهر يناير المقبل، تتنامى المخاوف من أن يلجأ السياسيون إلى تأجيج التوتر سعياً وراء المكاسب السياسية خلال الاستحقاقات القادمة. هذا الواقع الجديد في أوكرانيا والتوجس من تصاعد الراديكالية والفكر «اليميني» يعبر عنه «فولوديمير فيسينكو»، مدير مركز «بانتا» للدراسات السياسية بالعاصمة كييف قائلا: «هناك نوع من الراديكالية يجتاح المجتمع، ويعكس خيبة الأمل تجاه النخبة السياسية، بعدما قدمت طيلة السنوات القليلة الماضية مصلحتها الخاصة على مصلحة الدولة». وفي ظل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده أوكرانيا بعد تراجع الناتج الإجمالي المحلي بحوالي 25 في المئة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، أظهر مركز لاستطلاعات الرأي في كييف أن 90 في المئة من المستجوبين يعتبرون الوضع السياسي في البلاد «غير مستقر»، فقد سئم الأوكرانيون من الصراع المستمر بين الحلفاء السابقين لما يعرف بالثورة البرتقالية، وفشل السياسيين في القضاء على الفساد المستفحل، أو إيجاد طريقة فعالة للتصدي للأزمة الاقتصادية. هذه الخيبة التي يشعر بها الأوكرانيون دفعت العديد منهم للبحث عن وجوه سياسية جديدة لتمثيلهم بمن فيهم شخصيات محسوبة على أقصى «اليمين»، ففي 15 من شهر مارس الماضي، فاز حزب «الحرية»، الذي كان يحتل موقعاً هامشياً في السياسة الأوكرانية خلال انتخابات البرلمان المحلي بمدينة تيرنوبيل في غرب البلاد، حيث حصل على 50 من بين 120 مقعداً في المجلس المحلي، بل تشير استطلاعات الرأي إلى تحقيق الحزب بعض الشعبية على الصعيد الوطني. وقد اشتهر زعيم الحزب «أوليه تياهنيبوك» بالخطاب الذي ألقاه عام 2004 حيث تلفظ بتصريحات معادية للسامية ومناهضة لروسيا قائلا: «لقد حان الوقت كي ترجع أوكرانيا للأوكرانيين»، وهو يدعو في هذا السياق إلى تطهير السلطات من بقايا النفوذ السوفييتي، فضلا عن تعزيز سلطات الرئيس. وعن نجاح حزب «الحرية» اليميني يقول المحلل «فيسينكو» من مركز «بانتا» للدراسات السياسية: لا شك أن نجاح الحزب «اليميني» يبعث على القلق، لكنه يضيف أن الحزب منحصر في المنطقة الغربية، ولا يحظى بشعبية في باقي المناطق قائلا: «إن نجاح حزب الحرية لا يرجع إلى قوميته بقدر ما يرجع إلى بحث الناخبين عن شيء جديد». ومن العقبات التي تعيق مسيرة حزب «الحرية» على الصعيد الوطني وتحول دون اكتساحه للساحة السياسية الاختلافات الثقافية السائدة في أوكرانيا، والتي تتوزع على خطوط تماس تاريخية وجغرافية بين هوية موالية لروسيا تسود في المناطق الشرقية، وبين المناطق الغربية التي تدعم هوية أكثر استقلالا وأكثر وطنية. ويرجح المراقبون في ظل هذا الوضع أن يلجأ السياسيون أثناء الانتخابات الرئاسية إلى استغلال هذه الفروقات وتأجيجها، وهو ما يعبر عنه «سيرهي تاران»، مدير المعهد الدولي للديمقراطية في كييف قائلا «سيسعى السياسيون إلى تغذية التوتر ودفع الرأي العام إلى المزيد من الراديكالية». ففي الشهر الماضي، قام حزب الحرية بتعليق ملصقات بمدينة «ليفيف» الغربية تحمل شعار المنظمة الأوكرانية، التي تحالفت مع القوات النازية خلال الحرب العالمية الثانية لمقاومة الاتحاد السوفييتي، وهو الموضوع الذي ينطوي على حساسية كبرى في أوكرانيا بالنظر إلى الخسائر البشرية الجسيمة التي تكبدتها البلاد خلال الحرب، وبالنظر أيضاً إلى استمرار الاحتفال باليوم الذي فاز فيه الجيش الأحمر السوفييتي على الجيوش الألمانية واعتباره عيداً وطنياً. وقد انفجر هذا التوتر وتحول إلى جريمة قتل في 17 أبريل الماضي عندما تعرض شاب يبلغ من العمر 21 عاماً ذو ميول قومية إلى القتل في مدينة «أوديسا» الجنوبية على يد جماعة «يسارية» راديكالية مناهضة للفاشية، ومنذ وقوع الحادث لم تكف الأطراف السياسية عن تبادل الاتهامات إلى درجة دفعت الرئيس «يوشينكو» نفسه إلى التدخل والمطالبة بإجراء تحقيق فيما إذا كانت الجماعة اليسارية مرتبطة بجهات خارجية. لكن رغم هذا التوتر والمخاوف التي أثارها البعض من احتمال انقسام البلاد يرى المحلل «تاران» أن ذلك بعيد عن الواقع قائلا «إن الناس لا يعبرون عن هويتهم بالانتماء إلى الغرب، أو الشرق فهم يعبرون المنطقتين بكل حرية وهوياتهم مرنة، لذا يصعب على الأحزاب السياسية تعبئة الناس على أسس عرقية».

منقول عن الكاتب جيمس مارسون

IPDog v1.0.1 by ViRiLiTY